يظل اسمها رام الله

8/7/2015 9:35:00 AM الكاتب : بهاء رحال

    رام الله المدينة الفاضلة التي تعج بالمثقفين والاكاديميين والمهندسين والاطباء والعمال والمترفين والبائعين والمتجولين والمتسكعين في حاناتها الصغيرة والبسيطة والمتواضعة رغم بعض ملامح الدهشة التي تتزين ببعض الديكورات والاضواء والالواح الخشبية ، تدفعك لاشياء خارج طقسك العادي وتأخذك الى ما وراء الشكليات لتتعمق في حاراتها القديمة والضيقة التي تدهشك اكثر من ابراجها العالية ومن سياراتها الفارهة ونسائها الجميلات اللواتي يرتبن احلامهن كل صباح على ضفاف الأمل ، تلك حجارة من عمر كنعان على حالها تجدد العمر فيها كأنها تنتصر على عوامل الطقس والزمن والطبيعة وتنتصر أكثر على آثار الاحتلال ، وتلك الرموز بعمر الحياة ، تحكي قصة أبدية الحياة في الأرض وتروي قيمة سكانها الذين بنو في الأرض مجد عزتهم جيلاً بعد جيل ، هذه رام الله بوابة القدس من جهة الشمال كأختها بيت لحم بوابة القدس من جهة الجنوب ، كأنهما توأمين سيام يحضنان القلب الواحد ويعانقان الأبد


    2

    تصحو شمس رام الله هذا الصباح على استحياء ، تختبئ خلف غيوم الشتاء التي تلبد السماء ، مطر يغسل وجه المدينة وعشب ينبت على الأرصفة وفوق التلال رائحة الضباب تخبرنا بيوم شديد البرودة وأحوال طقس يصطحب الثلج آخر المساء ليكون زائراً مسائياً كبعض زوار رام الله الذين يحبونها ليلاً بلا ضجيج وبلا زحمة واكتظاظ ، فهي رام الله التي تختلف في الليل عن النهار وتختلف في النهار عن الليل ، تفتح الحانات ابوابها بعد يوم طويل في زحمة الحياة ، يستظل البعض بالهدوء وآخرون يرتاحون الى ليل صاخب ونادل يملأ الكأس بكل اسباب الفرح وقليلون من يجدون وقتاً للقراءة فيرتبون امكنتهم جيداً ويحملقون في الكتب حتى ساعات متأخرة من الليل وهم في ذروة الدمان على رائحة الورق حين يسقط سطراً في أرض المعنى يشبه رغبتهم ويدخل اليهم ليدق باب جرح ظنوا بأنه مضى لكنه لم يموت ، هكذا ودون شك يتعمق الحب ويتخلد في القلب والروح والذاكرة وبين سطور بعيدة غريبة وعلى ورق مختلف وفي اشكال طويلة وقصيرة ومقاطع سردية او شعرية لكنها تشبهنا وسرعان ما نرى بها نفسنا التي ظننا بأنها غابت مرة والى الأبد.


    3

    بارد هذا الليل ودرجة الحرارة ما دون الصفر ، وفي الساعات القادمة ستدخل عاصفة يقال بأنها الأعنف والأشد والأكثر برودة منذ أعوام ، هذا اذا صدقت الارصاد الجوية التي تجتهد كثيراً فلا تصيب توقعاتها الا قليلاً ، ولكن هذا المساء بارد على غير العادة لدرجة اننا نشعر بالصقيع ولا نحتاج لراصد جوي حتى يخبرنا بمقدار البرد الذي يضرب اجسادنا وقلوبنا يدفئها مطر الحنين وهذا الشوق المدفون بالاعماق لماض مضى وحاضر يقترب وأنها رام الله المدينة الساحرة التي ماضيها يؤسس لحاضرها وحاضرها ينبئ بمستقبلها الفضفاض الواسع الخيال والمنطلق بسرعة الزمن وأكثر ، القريب الى الحقيقة والبعيد عن المشتهى ، ترى مشاة على الأرصفة يسيرون برتابة عشاق أو أقرب وترى أناس يتزاحمون أمام المخابر والبقالات ومحلات الطعام وبعض الناس في المركبات يحاولون ايجاد موقف على جانب الطريق لركن مركباتهم في شوارع قاسية لانها ضيقة الحال ومتواضعة ولا تناسب ومركباتهم الفارهة .


    4

    الزائر الأبيض يغطي أرض المدينة وأشجار اللوز المزهرة تكتسي بياضاً على بياض ، هكذا تتزين رام الله في يوم الثلج - احد أيام السنة التي تتوقف الحياة كاملة فيها - بينما يعلق الناس أمنياتهم على حالة النقاء العامة التي تسود ببياض الثلج ووهجه المشرق الذي يراه البعض حالة من حالات الصفاء التام بينما يراه آخرون أنه استثناء ، ومحطة مؤقته تذوب ، وبعدها تظهر حقيقة الأشياء وتسقط الأمنيات وتتلاشى وتعود المدينة الى حالها بريئة وعادية ومتواضعة لولا فرط الحداثة الذي يغلب على شكلها العام حين يراه البعض لزاماً عليها لكي تتبع التطور بعدما وجدت نفسها بين ليلة وضحاها ( عاصمة مؤقتة ) تكثر فيها البروتوكولات والاحتفالات والسهرات والبدلات والمواكب وحجاج السياسة والاقتصاد والثقافة والعلوم وتجار التصنع والمظاهر الزائفة والكاذبة وبعض العاديين مثلنا نحن وأنتم ممن لم تتركهم رام الله ولم يتركوها بل ظلوا يحفظون وهجها القديم وصورة حظها في الحياة الذي اتخذته جامعة شمل المغتربين والزائرين والمقيمين والمهجرين والعائدين والمهاجرين والمؤقتين وباسطة يدها للحياة ورافعة عمرها بالأمل .


    5

    هي عادية ، لا تبحث عن الاختلاف معك ولا تتردد في فتح الطريق أمامك دون أن تخبرك أن عليك الحذر وأن عليك التروي كثيراً وان اندفاعك نحو مشوار السهر يجب أن يكون محسوباً كي لا تسقط في فخ المدن التي تزين ليلها بكل اسباب الحياة لكي تخدعك ، وان عليك العيش اكثر في حاناتها حتى تصبح جزءاً اصيلاً في مدرج الحلم والخيال أمامك وعلى واقع الحقيقة الذي تنشده في يومك العادي حين يعلو فيك نشيد الكبرياء المجنون المتدفق وجعاً وحين تعصف بك صورة الذكريات الناهضة اليك دون استئذان ، فهل أبصرت ظلك !! أم راكمت فيك كل اسباب الذكرى واستحضرتها واستحضرت كل اوجاعها بكأس من نبيذ العمر تجلى وانبعث ساعة بلوغ الحلم فيك ، هكذا تعود رام الله كل صباح باوجاعها اليك وهكذا تمر كلمح البصر فيك كلما زرتها واستوطنت حباً في اطرافها فمضيت اليه تهذي وتكابر وقت الالحاد فيك ومضى الى ظلك المؤمن ليتبعك ، وكلما تعب الحنين فيك فكرت بالهجران ترى او لا ترى في الشك اسباباً للهجران لكنها المصيبة اذا امعنت ورسمت حول القلب دائرة بلون البنفسج .


    6

    اول النهار يشتد عصب الحياة في اطرافها وتنبعث بجدارة المدن الكبرى ، كانها لا يلفها جدار ولا تحاصر ، تتمرد لتعادل عاصمة شجاعة بقوة النشيد فيها ، وتخرج من عتمة المساء الى يومها الطبيعي وتزدحم الشوارع بالمارة والباعة المتجولين وتعج بالسيارات والمشاة المسافرين وهذا طقسها في الحياة ، تراها عادية تلبس زينتها وتكبر على واقع الحصار ، لا تصاب بالملل ولا يصيبها التبلد والتعب كما لو أنها اعتادت على شكل الحياة المختلف وأن تتجدد لتنأى بنفسها عن عثرات الزمن.